الشيخ محمد رشيد رضا

319

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الميزان ، قال عز وجل * * * * * * ( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ) قال الراغب : الوزن معرفة قدر الشيء يقال وزنته وزنا وزنة والمتعارف في الوزن عند العامة ما يقدر بالقسط والقبان اه وتفسيره الوزن بالمعرفة تساهل وانما هو عمل يراد به تعرف مقدار الشيء بالآلة التي تسمى الميزان وهو مشتق منه ، وبالقسطاس وهو من القسط ومعناه النصيب العادل أو بالعدل كما قال الراغب ، وأطلق على العدل مجازا ، وكذا الميزان ومنه قوله تعالى ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بالحق والميزان ) وقوله في الرسل كافة ( وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم للناس بالقسط ) ومن كلام العرب استقام ميزان النهار - إذا انتصف وليس لفلان وزن - أي قدر لخسته ومنه قوله تعالى ( فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً ) قال الراغب وقوله ( وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ ) فإشارة إلى العدل في محاسبة الناس كما قال ( وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ ) اي ولذلك قال عقبه ( فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ ) والتجوز بالوزن والميزان في الشعر كثير . ومعنى الجملة : والوزن في ذلك اليوم الذي يسأل اللّه فيه الرسل والأمم ويقص عليهم كل ما كان منهم هو الحق الذي تحق به الأمور وتعرف به حقيقة كل أحد وما يستحقه من الثواب والعقاب . وذهب أكثر علماء الاعراب إلى أن المعنى أن الوزن الحق كائن يومئذ لا أن الوزن يومئذ حق . فالحق صفة للوزن ويومئذ هو الخبر عنه أو المعنى والوزن كائن يومئذ وهو الحق والأول أظهر ( فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) قيل إن الموازين جمع ميزان فهي متعددة لكل امريء ميزان وقيل لكل عمل . والجمهور على أن الميزان واحد وأنه يجمع باعتبار المحاسبين وهم الناس أو على حد قول العرب : سافر فلان على البغال وان ركب بغلا واحدا ، وقيل إن الموازين جمع موزون والمعنى فمن رجحت موازين أعماله بالايمان وكثرة حسناته فأولئك هم الفائزون بالنجاة من العذاب والنعيم في دار الثواب ( وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ ) أي ومن خفت موازين أعماله بالكفر وكثرة سيئاته فأولئك الذين خسروا أنفسهم إذ حرموا السعادة التي كانت مستعدة لها لو لم يفسدوا فطرتها بالكفر والمعاصي بسبب ما كانوا يظلمونها بكفرهم بآيات اللّه مستمرين على ذلك مصرين عليه إلى نهاية